العلامة الأميني

206

النبي الأعظم من كتاب الغدير

حتّى إنّ الخليفة نفسه لم يفه بهذا العذر البارد ، ولو كان يعرف شيئا ممّا قالوه لما أرجأ بيانه إلى هؤلاء المدافعين عنه ، ولما كان في منصرم معاذيره بعد أن أعوزته أنّه رأي رآه ، ولما كان تابعه على ذلك من تابعه محتجّا بدفع شرّ الخلاف فحسب من دون أيّ تنويه بمسألة الرخصة . وأنت تعرف بعد هذه الأحاديث قيمة قول المحبّ الطبري في رياضه النضرة « 1 » : إنّها مسألة اجتهاديّة ؛ ولذلك اختلف فيها العلماء ؛ فقوله - يعني عثمان - فيها لا يوجب تكفيرا ولا تفسيقا . خفي على المغفّل أنّ الاجتهاد في تجاه النصّ لا مساغ له ، وأنّ المسألة لم يكن فيها خلاف إلى يوم أحدوثة عثمان ، بل كانت السنّة الثابتة عند جميع الصحابة بقول واحد وجوب القصر للمسافر ، وما كان عمل الخليفة إلّا مجرّد رأي رآه خلاف سنّة أبي القاسم صلّى اللّه عليه وآله . الدين عند السلف سياسة وقتيّة : تعطينا هذه الروايات الواردة في صلاة الخليفة درسا ضافيا صافقه الاستقراء لكثير من الموارد : أنّ كثيرين من الصحابة ما كان يحجزهم الدين عن مخالفة التعاليم المقرّرة وكانوا يقدّمون عليها سياسة الوقت ، وإلّا فلا وجه لتربيعهم الصلاة وهم يرون أنّ المشروع خلافه لمحض أنّ الخلاف شرّ ، وهم أو من ناضل عنهم وحكم بعد التهم أجمع لا يرون جواز التقيّة ؛ فعبد اللّه بن عمر يتّبع الخليفة في أحدوثته ، وكان يتمّ إذا صلّى مع الإمام ، وإذا صلّى وحده صلّى ركعتين ، وفي لسانه قوله : « الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنّة فقد كفر » « 2 » . وبمسمع منه قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه لا يقبل عمل امرئ حتّى يتقنه » . قيل : وما إتقانه ؟ قال : « يخلصه من الرياء والبدعة » « 3 » . وقوله صلّى اللّه عليه وآله : « من عمل

--> ( 1 ) - الرياض النضرة 2 : 151 [ 3 / 89 ] . ( 2 ) - راجع سنن البيهقي 3 : 140 . ( 3 ) - بهجة النفوس للحافظ ابن أبي جمرة الأزدي الأندلسي 4 : 160 [ ح 241 ] .